تحديات إستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي لإكتشاف الكذب

رنين مغناطيسي وظيفي

صورة رنين مغناطيسي وظيفي على الدماغ. هنا تم توضيح نشاط الدماغ باللون الأصفر

مقدمة

في عام 2006، بدأت شركة تدعى No Lie MRI الإعلان عن قدرتها على كشف “الخداع والمعلومات الأخرى المخزنة في الدماغ” باستخدام التصوير بـ الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، مع ذلك لم يكونوا أول من قدم هذا الادعاء. قبل سنتين من ذلك، تأسست شركة تدعى سيفوس cephos على نفس المبدأ. تم إطلاق كلا الشركتين من قبل رواد أعمال على أمل أن يحلوا يومًا ما محل آلة كشف الكذب التقليدية.

بعد مرور عدة سنوات بعد إنشاء هذه الشركات، تم اللجوء إلى خدماتها في مرات متعددة كدليل في المحكمة في كل من القضايا الجنائية والمدنية. في كل مرة رفضت المحكمة قبول الأدلة، لكن قرار استبعادها تم بحثه بعناية. في إحدى الملفات وكان من 39 صفحة قام بالتوصية بإستبعاد الأدلة في قضية احتيال متعلقة بقضية رعاية طبية.

أشار القاضي إلى أن دليل الرنين المغناطيسي الوظيفي قد يكون مقبولًا يومًا ما حتى وإن لم يكن قد تم إثبات أنه طريقة موثوقة بشكل غير معتاد (قوية) للكشف عن الكذب. وهكذا يبدو أن استخدام التصوير العصبي للكشف عن الكذب قد يكون احتمالًا حقيقيًا في مرحلة ما في المستقبل. لكن ما مدى واقعية ذلك الآن؟

كيف يمكن أن كشف الكذب بواسطة الرنين المغناطيسي الوظيفي؟

لنكون قادرين على تقييم الوضع الحالي للأبحاث المتعلقة بالكشف عن الكذب المتمركزة على الرنين المغناطيسي الوظيفي، من المهم أن يكون لدينا فهم لكيفية تصميم الأبحاث في هذا المجال وكيف يتم إجرائها. كان الهدف من هذه الدراسات هو تحديد الاختلافات في نشاط الدماغ عند المشاركين عندما يقولون الحقيقة مقابل عندما يكذبون وهكذا.

عادة ما يُطلب من المشاركين أن يكذبوا بتعمد عندما يتم سؤالهم عن بعض المواضيع، ويُطلب منهم الإجابة عن أسئلة أخرى بصدق. يتم المقارنة بين نشاط الدماغ الذي تم تسجيله خلال الإجابات الصادقة مع نشاط الدماغ في حالة الإجابات الخاطئة، في محاولة لتحديد المناطق النشطة فقط أثناء الكذب والخداع.

على سبيل المثال ، في إحدى الدراسات تم توجيه المشاركين إلى “سرقة” أحد العنصرين: ساعة أو حلقة. بعد ذلك ، تم وضع الأشخاص في جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي واستجوابهم بشأن السرقة الساخرة ، لكنهم قيل لهم إنكار أخذ أي شيء. تم سؤال الأشخاص حول كلا البندين ، ولكن لأنهم لم يأخذوا سوى واحد من الاثنين ، كانت بعض ردودهم بشكل طبيعي أكاذيب وغيرها كانت الحقيقة. ثم قارن الباحثون نشاط الدماغ لدى المشاركين خلال الاستجابات الصادقة والخادعة.

يوجد دراسات أخرى تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، ولكن لديها نهج عام مماثل. في أحد التجارب، حصل المشاركون على بطاقتين لعب (ورق بالوت)، ثم تم التأكيد عليهم بإنكار وجودها معهم عندما يتم سؤالهم عنها.

في مثال آخر، اختار المشاركون رقمًا يتراوح بين3-8، ثم طُلب منهم إنكار اختيارهم لهذا الرقم عندما تم عرضه لهم. وبالتالي فإن معظم هذه التجارب تتضمن “خداعًا موجَّهًا”، حيث يُطلب من المشارك أن يكذب بشأن تجربة معينة أثناء ملاحظة نشاط الدماغ.

ماذا أوضحت هذه الأبحاث؟

على مر السنين تنامت مجموعة من الدراسات التي تبحث في التشابكات العصبية الدماغية للخداع. أدى ذلك إلى تحديد عدد من المناطق التي يعتقد أنها تلعب دورًا محتملًا في الخداع والكذب. في أحد الأبحاث، أجرى الباحثون تحليلاً لعدد من هذه الدراسات السابقة لمحاولة التعرف على مناطق الدماغ التي تنشط بإستمرار أثناء الكذب. في هذا البحث تم تحليل ومعاينة 23 دراسة.

وجد الباحثون اختلافات كبيرة بين نتائج هذه الدراسات، لدرجة أنهم لم يستطيعوا تحديد منطقة واحدة من الدماغ اشارت إليها (جميع) الأبحاث بأن لها دور في الكذب بشكل مشترك. ومع ذلك، كان من الملاحظ أنه بشكل عام يكون عددًا من المناطق تصبح نشطة أثناء الخداع. هذه المناطق كانت كالتالي:

  1. القشرة المخية قبل الجبهية prefrontal cortex
  2. الفصيص الجداري السفلي inferior parietal lobule
  3. anterior insula
  4. القشرة الأمامية الوسطى العلوية medial superior frontal cortex 

قد توفر لنا هذه المناطق التي يتم تنشيطها بشكل عام بعض الأدلة حول المكان الذي يجب أن نبحث فيه عن الارتباطات العصبية للخداع والكذب. ولحصول الرنين المغناطيسي الوظيفي على الثقة في الكشف عن الكذب، سيكون من المهم رؤية نشاط ثابت لشبكة معينة من المناطق الدماغية من دراسة إلى دراسة.

ليس من المستغرب أن الدراسات السابقة قد اختلفت في تحديد شبكة معينة من الدماغ مسؤولة عن الكذب، قد يرجع ذلك إلى الطريقة التي يتم بها قياس الكذب من قبل الباحثين والمتطوعين. وحتى لو كان لدينا المزيد من الدراسات التي توضح نمطاً محدد في نشاط الدماغ اثناء الكذب، هل يمكننا أن نكون واثقين من أنه يمثل ذلك الكذب؟ قد يقول البعض أننا لا نستطيع ذلك.

مشاكل متعلقة بأبحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي في إكتشاف الكذب

مع عدم وجود نتائج موحدة متناسقة فيما يخص نتائج الدراسات المتعلقة بكشف الكذب بواسطة المتطوعين، هناك عدد من العقبات الأخرى المرتبطة بإستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي للكشف عن الكذب. تتمثل إحدى الصعوبات الرئيسية في تأكيد أن النشاط الدماغي الذي نراه يحدث أثناء التجربة يتعلق فقط بالكذب؟

لنأخذ مثال على ذلك، إذا تم توجيه المشاركين إلى سرقة أحد الأشياء ثم الطلب منهم الكذب بشأن سرقتها لاحقًا، فإن النشاط المتزايد في الدماغ الذي يتم ملاحظته عند ما يتم سؤالهم عن هذا الشئ من المحتمل أن لا يكون فقط مرتبطًا بالكذب. ولكن أيضًا قد يكون هذا الإزدياد في النشاط مرتبطاً  بتجاربتهم الشخصية مع هذا الشئ مثل تفعيل مناطق الذاكرة.

في دراسة أخرى أجراها هاكون Hakun مع مجموعة من الباحثين تكون بمثابة مثال جيد لهذه المشكلة. طلب الباحثون في هذه التجربة من المشاركين اختيار رقم من سلسلة من الأرقام. بعد ذلك تم وضع المشاركين في جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي وسؤالهم عن العدد المختار؛ تم إخبار نصف المشاركين مسبقاً بأن يكذبوا عن العدد الذي اختاروه بينما طلب من النصف الآخر البقاء صامتين.

لوحظ النشاط في بعض من المناطق التي تم تحديدها أعلاه والتي يبدو أنها تنشط أثناء الكذب في كلتا المجموعتين من المشاركين (هنا نصف المتطوعين لم يكذبوا، بل لم يتكلموا). وبالتالي، فإنه من المحتمل أن يكون النشاط في هذه المناطق غير محدد للكذب، ولكنه ينطوي على استرجاع الذاكرة، أو الانتباه، أو جانب آخر من الوظائف العليا للدماغ.

نقطة أخرى أيضاً قد تشكل عقبة في مواجهة الأبحاث في هذا المساق. على سبيل المثال، عندما تطلب من شخص ما أن يكذب حول رقم يختاره من قائمة أو حتى عن جريمة وهمية، فإن هذا الكذب لن يكون له قدر كبير من الأهمية العاطفية بالنسبة له. في الحياة الحقيقية غالباً ما يرتبط الكذب مع ارتفاع العاطفة والإجهاد والقلق وما إلى ذلك.

وبالتالي فمن غير الواضح ما إذا كانت مناطق الدماغ التي تم إكتشافها قد عبرت عن الكذب الحقيقي. إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك قد يعني وجود مناطق أخرى من الدماغ تنشط خلال الأكاذيب “الحقيقية”. هذا يعني أن هذه التقنية لم تقس النشاط الذي غالباً ما يرتبط بالكذب في العالم الواقعي البعيد عن التجارب.

بالإضافة إلى ذلك، يتم إجراء معظم هذه الدراسات على متطوعين أصحاء (غالباً طلاب الجامعات). يبدو من المحتمل أن هؤلاء الأفراد قد يكون لديهم استجابات مختلفة لأدمغتهم عند الكذب عند المقارنة بعينة من المتطوعين الذين لديهم سابق جنائي (وهم من يتوقع أن هذه التكنولوجيا ستطبق عليهم خاصة في المجال القانوني).

على سبيل المثال، وجدت دراسة رنين مغناطيسي وظيفي على أشخاص لديهم تاريخ إجرامي قد تم تشخيصهم  بالاعتلال النفسي أن هناك نمطًا مختلفًا من نشاط الدماغ أثناء الكذب مقارنة بالأشخاص الآخرون. وهكذا قد يختلف نشاط الدماغ أثناء الكذب من فرد إلى آخر اعتمادًا على خصائص شخصية أخرى وما إلى ذلك. وإلى أن نتمكن من معرفة  مناطق الدماغ التي تكون نشيطة عند الكذب في كل شخص أو فئة، فإنه سيكون من الصعب علينا الثقة في استخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي للكشف عن الكذب.

إحدى المشاكل المحتملة الأخرى  التي تنطبق على أي طريقة تستخدم لمحاولة الكشف عن الكذب هي أننا يجب أن نكون مدركين للتدابير المضادة التي قد يستخدمها الشخص لتجنب لخداع الجهاز. الإجراءات المضادة هي إجراءات قد يتمكن الفرد من اتخاذها لتعطيل قدرة جهاز كشف الكذب على تحديد عدم الصدق بدقة. على سبيل المثال، أكد البعض أن بعض الإجراءات المؤلمة قليلاً مثل عض اللسان أثناء أسئلة التحكم في اختبارات الكذب يمكن أن تثير استجابات فسيولوجية في الدماغ أثناء الإجابة، مما يجعل من الصعب على الجهاز إكتشاف الكذب عند وجود نشاطات متعددة في الدماغ.

مع ذلك لا تزال التدابير المضادة التي  قد تعطل اكتشاف الكذب في الرنين المغناطيسي الوظيفي غير معروفة نسبياً، ولكن الدراسات تشير إلى أنها قد تكون بسيطة التنفيذ. في إحدى الدراسات استطاع الباحثون اكتشاف الكذب في المشاركين بدقة تبلغ 100٪. ومع ذلك عندما طلبوا من المشاركين تحريك اصابعهم وأرجلهم أثناء مسح الرنين المغناطيسي الوظيفي قلت الدقة إلى 33٪ فقط.

مازال الطريق مبكر

على الرغم من التفاؤل الذي دفع البعض إلى الاستثمار في تقنية اكتشاف الكذب بواسطة الرنين المغناطيسي الوظيفي، يبدو أنه لا يزال الطريق أمامنا طريق طويل قبل أن يمكن اعتباره صحيحًا وموثوقًا به. وبالتالي فإنه ليس من المحتمل أن نرى تقبلاً للرنين المغناطيسي الوظيفي في إكتشاف الكذب في وقت قريب. لكن هذا لا يعني أنه ليس محتمل مستقبلاً.

مع التطور المستمر في أساليب التصوير العصبي ومع تطوير طرق أفضل لتحديد مناطق محددة يتم تنشيطها بالضرورة خلال سلوك معين، قد يكشف تصوير الدماغ الكذب بدقة عالية حاملاً معه مجموعة من المعضلات الأخلاقية حول كيفية استخدام هذه التقنية. ومع ذلك، فإنه قد نحتاج إلى عقود من الزمن للوصول إلى ذلك. أما في الوقت الحالي، ستبقى المعرفة الأكاذيب التي نرويها معزولة بأمان في رؤوسنا.

المصدر:

الإعلانات

التعليقات