كيف يقوم الدماغ بمعالجة الإشارات الحسية

في أول موضوع سأتحدث عن لمحة عن كيف يستقبل الدماغ المعلومات الحسية (عن طريق الجلد، مثلاً عندما تمسك شئ ما أو شئ ما يمسك يدك أو حتى درجة الحرارة!) وقد تكون هذه بداية جيدة عن الحديث عن الدماغ وكيف يحصل على المعلومات المختلفة من بقية الأعضاء. في هذه المقالة ستجلى بوضوح دور الأعصاب الحيوي في هذا الشأن.

dti

صورة مأخوذة بواسطة الرنين المغناطيسي توضح الترابط العصبي بين أجزاء الدماغ بواسطة الألياف العصبية ويظهر الحبل الشوكي باللون الأزرق وهو عبارة عن مجموعة أو حزم من الألياف (تشبه الأسلاك) تنقل المعلومات العصبية من الأعضاء (كاليدين أو الأمعاء) نحو الدماغ

يستقبل المعلومات ويعطي الأوامر

     كما قلت أن الدماغ هو العضو (الواعي) الذي يستقبل الإشارات الحسية القادمة من الأعضاء ويقوم على تحليلها وتفسيرها ومن ثم الاستجابة بناءاً على هذه المعطيات. عندما ترتفع درجة الحرارة في الغرفة يقوم الجلد (وله وظيفة حسية) بإرسال هذه المعلومة للدماغ. تستقبل ادمغتنا هذه المعلومة الحسية وتعمل على معالجتها وبناءاً على ذلك نشعر بارتفاع درجة الحرارة.

في أحيان كثيرة يتصرف الدماغ دون ان يزعجنا -الأصح قول أنه لا يزعج الجزء الواعي منه- بهذه التفاصيل الصغيرة. بالأخص عندما يكون الارتفاع في درجة الحرارة طفيفاً. في مثل هذه الظروف يتخذ الدماغ بعض القرارات دون وعي منا. على سبيل المثال يرسل بعض الأوامر الغير إرادية لبعض الأعضاء لمقاومة هذا الارتفاع الطفيف كإفراز العرق بواسطة الجلد. أو حتى إصدار أوامر إرادية كأن مثلاً نقوم بخلع السترة أو تشغيل المكيف أو شرب الماء البارد … إلخ.

أحياناً تكون الاستجابة أكثر تعقيداً عندما يصبح العضو الإرادي الذي نتحكم فيه غالباً يستجيب لأوامر غير إرادية كأن نفوم على فتح زار القميص العلوي دون وعي منا. وهنا يتجلى جمال تعقيد عمل الدماغ. يتم إرسال هذه المعلومات من الجلد نحو الدماغ والعكس بواسطة مجموعة من الأعصاب.

حالات طارئة

      على الرغم من السرعة الكبيرة التي يقوم بها الدماغ في التعامل مع هذه المعلومات إلا أنه وقت طويل جداً في حالات الطوارئ. لنأخذ على ذلك مثال مشابه في البساطة لمساعدتنا على الفهم لكنه أكثر خطورة من مجرد الارتفاع في درجة الحرارة الخارجية. لنفرض أنك  كنت في المطبخ ووقعت يدك على أحد أواني الطبخ الحارة جداً وهي خارجة للتو من الفرن.

أنت لم تكن تعلم بأن هذا الشئ حار ولم يكن شكله الخارجي يوحي لك بذلك. الوقت هنا عامل مهم جداً لمنع يدك من الإحتراق. أجزاء من الثانية تؤخذ في الاعتبار. وظيفة الجلد المعروفة لنا الآن أنه لايقوم بتفسير الإشارة ولكنه يسجلها ومن ثم يعطيها للأعصاب. وظيفة الأعصاب هي حمل هذه المعلومة نحو الدماغ.

تشريح الجهاز العصبي

تنتقل الإشارات الحسية من الأعصاب (الجهاز العصبي الطرفي) إلى الحبل الشوكي ثم إلى الدماغ (الجهاز العصبي الرئيسي)، بعد أن يتخذ الدماغ القرار يتم إرساله إلى العضو المراد عن طريق الحبل الشوكي نزولاً ومن ثم إلى الأعصاب

طريق المعلومة الطبيعي نحو الدماغ

     الإشارة القادمة من الجلد التي تريد أن تخبر الدماغ بأن جزء من يدك يحترق تنتقل عبر الأعصاب الحسية في اليد ومن ثم الذراع متجهة نحو الحبل الشوكي. تصعد هذه المعلومة الحبل الشوكي نحو الدماغ الذي يفسر هذه الإشارة بأن يدك ولابد أنها وقعت على جسم ساخن جداً ولابد أن ترفع يدك عن هذا الشئ.

يرسل الدماغ إشارة حركية نحو العضلات في اليد بأن تبتعد عن هذا الشئ الساخن. تتخذ هذه الإشارات الحركية مسار مشابه بالإشارات الحسية نزولاً من الدماغ بواسطة الحبل الشوكي ومن ثم الأعصاب الطرفية نحو اليد. قد تكون هذه العملية رغم سرعتها بطيئة بعض الشيء في حالات طوارئ كالتي سبق ذكرها. إذن مالحل؟

تفويض للحبل الشوكي بالقيام ببعض الوظائف

للحسن الحظ أن الجهاز العصبي عادة قادر على الإستجابة في هذه الحالات بشكل أكثر سرعة يصل إلى أقل من نصف هذا الوقت. يكون ذلك بأن الحبل الشوكي هو من يحلل الإشارة الحسية القادمة من اليد ويقوم بشكل سريع بإرسال الإشارات الحركية نحو اليد بأن ترتفع عن هذا السطح الساخن. هنا تدخل الحبل الشوكي بالنيابة عن الدماغ ولم يكن فقط ناقل لهذه الإشارات.

ألم يحدث هذا معك من قبل عندما تضع يدك على سطح ساخن أو أن تطأ قدماك على سطح حاد كمسمار مثلاً؟ هذا يسمى بـ ردات الفعل الإنعكاسية reflexes وهي إستجابات سريعة في حالات الطوارئ. لذلك يُصنف الحبل الشوكي مع الدماغ بأنهما ضمن الجهاز العصبي المركزي، فهما قادران على تحليل وتفسير المعلومة.

هذا لا يحدث فقط مع اليدين أو القدمين، بل يحدث حتى مع حاستي السمع والبصر وذلك عند سماع صوت مدوي أو لمح شئ ما قد يحدق الخطر بنا. عندها مناطق أخرى من الدماغ تتدخل لتعديل وضعيات أجسامنا أو النظر في إتجاه هذه الخطر لنكون أكثر إستعداداً دون حتى أن يحلل دماغنا بعد ما هو مصدر هذا الخطر.

بعد ذلك نبلغ الشيخ بالسالفة.. تحليل أكثر

     طبعاً الحبل الشوكي لايكون بكفاءة الدماغ في تحليل وتفسير الإشارات الحسية، ولكنه يتدخل في حالات كهذه. لذلك بعد تدخله السريع (أو بنفس الوقت بالتوازي) يقوم بوظيفته المعتادة بإيصال هذه المعلومة الحسية (القادمة من الجلد) نحو الدماغ لكي يتخذ اللازم (على طريقة لزوم نبلغ الشيخ بالسالفة).

لأن الحبل الشوكي مشكوراً قام على إبعاد اليد عن هذا السطح الساخن، يعمل الدماغ على التعامل مع هذه المعلومة بشكل متطور أكثر. أولاً يقوم بتحليل هذه الإشارة بشكل أكثر تعقيدا، مثلاً يقوم بإرسال إشارة نحو الجزء الخاص في الدماغ المسؤول عن الألم. يعالج هذا الجزء هذه المعلومة ومن ثم تشعر بالألم وأنك قد وضعت يدك على شئ حار. هنا تلاحظ أن جسمك بواسطة الجهاز العصبي مع التكامل مع بقية الأعضاء قد تدخل بإبعاد يدك عن هذا الشئ الحار حتى قبل أن تعي بأن يدك تلامس سطح ساخن.

القيام على التعرف على السبب

      حتى الآن في مثالنا هنا لا يعرف الدماغ (نحن) ماهية هذا الشيء الساخن. لذلك في نفس الوقت الذي يقوم به بإرسال أوامر حركية لليد بالإبتعاد عن هذا الشئ يقوم بإرسال أوامر أخرى نحو العين والعضلات التي في الرأس والرقبة بأن تتجه نحو هذا الشئ. تستقبل العين الضوء القادم كإشارة حسية وترسله نحو المنطقة البصرية في الدماغ التي تحلل بأن مارأيت قد كان صينية مطبخ. ترسل هذه المعلومة الجديدة نحو مراكز التحليل في الدماغ لكي تفسر لك بأن ماوقعت يدك عليه يدك كانت صينية حارة كانت خارجة للتو من الفرن.

ربما نستفيد من هذا الحدث في المستقبل

     لتعقيد الدماغ قد لا تنتهي وظيفته هنا! بل يقوم بمشاركة هذا الحدث مع الجزء المسؤول عن الذاكرة في الدماغ. عندها ستتذكر في ذلك اليوم أو ربما الأسابيع القادمة بأنك قد كنت في المطبخ وبأن يدك احترق جزء بسيط منها نتيجة ملامستها صينية كانت خارجة للتو من الفرن.

قد تقرر الذاكرة المؤقتة بأهمية هذه المعلومة في المستقبل وترسلها نحو الذاكرة المتوسطة أو الدائمة بناءاً على أهمية هذا الحدث. هذا مهم جداُ عندما تكون طفل أو في مرحلة التعلم. عندها ستتذكر لبقية حياتك بأن تتخذ الحذر عندما تكون في مطبخ وهناك بعض أواني الطبخ .

إذن تأثير هذا الحدث البسيط قد يستمر سنيناً طويلة. لكن الدماغ معقد جداً في التعامل مع الذاكرة، لذلك بعد بضع سنوات (ربما بعد أن أصبحت بالغاً) قد تنسى أنك تعرضت للحرق من قبل صينية، ولكن تتذكر دائماً بأن تكون على حذر دائم عندما ترى صينية في مطبخ أو بجانب فرن. قد لايكون لديك نفس الارتياب عندما ترى نفس الصينية في متجر الأواني المنزلية.

قد تكون الذاكرة موضوع جيد وشيق ولعلي أناقش الأجزاء الخاصة في الدماغ في وقت لاحق من هذه السلسلة.

>السابق القادم <

الكاتب: أنور السلمي

أخصائي أشعة، هذه المساحة تُمثل المكان الذي تجتمع فيه الهواية مع الدراسة، بحيث تلتقي هواية تصميم وتطوير المواقع بمجال عملي ودراستي الأشعة. هدفي هو المساهمة ولو بشئ بسيط في خلق محتوى إشعاعي عربي يُفيد الممارس الطبي ويُجيب على استفهامات المريض.

 

الإعلانات

التعليقات